ابن القلانسي
464
تاريخ دمشق
واستشهد في هذا اليوم الفقيه الامام يوسف الفندلاوي المالكي « 1 » رحمه اللّه ، قريب الربوة على الماء ، لوقوفه في وجوههم ، وترك الرجوع عنهم ، اتباعا لأوامر اللّه تعالى في كتابه الكريم ، وكذلك عبد الرحمن الحلحولي الزاهد رحمه اللّه جرى أمره هذا المجرى . وشرعوا في قطع الأشجار والتحصين بها ، وهدم الحظائر « 2 » وباتوا تلك الليلة على هذه الحال ، وقد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه ، والروع بما عاينوه ، ما ضعفت به القلوب ، وحرجت معه الصدور ، وباكروا إليهم في غد ذلك اليوم ، وهو يوم الأحد تاليه ، وزحفوا إليهم ، ووقع الطراد بينهم ، واستظهر المسلمون عليهم ، وأكثروا القتل والجراح فيهم ، وأبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسنا ، وظهر من شجاعته وصبره وبسالته ما لم يشاهد في غيره ، بحيث لا يني في ذيادتهم ولا ينثني عن جهادهم ، ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم ، وخيل الكفار محجمة عن الحملة المعروفة لهم ، إلى أن تتهيأ الفرصة لهم إلى أن مالت الشمس إلى الغروب ، وأقبل الليل ، وطلبت النفوس الراحة ، وعاد كل منهم إلى مكانه ، وبات الجند ( 162 و ) بإزائهم ، وأهل البلد على أسوارهم للحرس والاحتياط ، وهم يشاهدون أعداءهم بالقرب منهم . وكانت المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف ، بالاستصراخ والاستنجاد ، وجعلت خيل التركمان تتواصل ، ورجاله الأطراف تتابع ، وباكرهم المسلمون ،
--> ( 1 ) هو « يوسف » بن دوناس بن عيسى ، أبو الحجاج المغربي ، الفقيه المالكي . . . قدم الشام ، وسكن بانياس مدة ، وانتقل إلى دمشق ، فاستوطنها ، ودرس بها بمذهب مالك ، وحدث بالموطأ وغيره . . . وكان شيخا حسن المفاكهة ، حلو المناظرة . . . كريم النفس ، مطرحا للتكلف ، قوي القلب ، صاحب كرامات » . مرآة الزمان : 1 / 200 . ( 2 ) في الأصل « العطاير » وهي تصحيف لعل صوابها ما أثبتنا .